Friday, December 08, 2006

نحن والآخر (1)
S.N.

ما اكثر ما يتردد على مسامعنا هذه الفترة من حديث عن احترام الآخر والرأي الآخر وثقافة الآخر. ولربما يتساءل البعض عن هوية ذلك الآخر وطبيعته ولماذا هو آخر… هل اختلافه الشديد عنا منحه تلك التسمية ام اختلافنا نحن عنه؟ وان كان هو آخر فمن هو الأول؟
في الغرب يمثل كل ما هو مجهول لهم- آخر- يخافونه ويحاولون تخيله ومنحه أشكالا ورموزا. فبتحويل المجهول الى معلوم مادي يعتقدون بأنهم تمكنوا منه، ولكونه غائب فوجوده يتحقق بعد إحضاره من قبل عقولهم إلى حيز الوجود، وتسميته بأسماء وتصويره بأشكال اختلفت مع الزمن. فقد تمثل سابقا في القوانين الدينية والكلاسيكية وأنظمة التقاليد التي طالما قيدت حريتهم في الإبداع، لكنه ظهر لنا تارة بصورة وحش مخيف و ديناصور من زمن غابر، أو مخلوق من كوكب آخر قادم ليحتل كوكبنا، او وباء خطير يهدد البشرية... فالحاجة إلى مصدر للخوف فطريه وملازمة لطبيعة النفس البشرية، خصوصا بالنسبة لمجتمعات افتقدت الى ما تخشاه حيث لديها حرية مطلقة للبعض دون ان يكون الدين رادعا ومذكرا بقوه عظمى تخشاها.
فكيف بمن يظن بأنه يمثل القوى العظمى ذاتها، خصوصا بعد ان كسرت التقاليد، وروضت الوحوش والديناصورات لتصبح دمى للأطفال، اما الفضاء فقد تم غزوه استباقيا والأمراض والأوبئة تم تصديرها لآسيا وأفريقيا. بالتأكيد ستبقى الحاجة لمصدر للخوف ليكون هو العدو مطلبا ملحا، وبعد القضاء على الشيوعية (التي من صنيعتهم) وجدوا ضالتهم أخيرا او لربما آن الوقت ليظهر العداء إلى العلن ليصبح (الآخر العدو) هو ..الإسلام.
تطلب إعلان العداء للإسلام  وقتا وجهدا، والصعوبة كانت في تحويل المفهوم الروحي والفكري العميق للإسلام الى رمز مادي ليسهل تشويهه ومحاربته، خصوصا وان الدين الإسلامي يرفض الرموز بل يحرمها فلا وجود لما يماثل الصليب او الرموز اليهودية المعروفة. وبعد فشل محاولات تشويه سمعة رسول الله (ص)، تحول الجهد كله على الشخصية المسلمة، بالترويج لصورة ومواصفات ظاهرية محاولة لاختزال الإسلام إلى ذلك الشكل المادي، وبالتالي يسهل محاربته، فصار للإسلام صورة مصطنعة ومفروضة علينا من قبل الاخر.
ولا ندري متى سينتهي استمرار الفكر الغربي في ابتكار الأيديولوجيات وفرض نماذجها على البشرية ثم محاربتها لهذا النموذج المفتعل. لكنا بطبيعة الحال كغيرنا وقعنا في فخ الأيديولوجية المفروضة فتوهمنا بها وصدقنا ان بن لادن وتنظيم القاعدة والزرقاوي والبغدادي وداعش هم صورة الاسلام الحقيقية، وان نموذج الانحلال الاخلاقي الغربي هو رمز للحرية والتطور...... وبذلك فقدنا أوليتنا وآخرويتنا بفقداننا لهويتنا. فبعد أن كنا نحن الأول وكان اختلافنا عن الغرب نابع من خصوصيتنا نحن، استوردنا النموذج من الغرب وحين أردنا الاختلاف عنهم اختلفنا وفقا لذلك النموذج المستورد وليس وفقا لطبيعتنا وهويتنا. وأوهمنا أنفسنا باختلافنا ونديتنا ومهاجمتنا له، وفي الحقيقة لم نكن سوى صورة "مختلقة" مستمدة منهم، وبتنا تابعين لهم بعد اصبحوا الأول. وما اعتقدنا انه اختلاف عنهم لم يكن سوى "اختلاق" كما يصفه المفكر مطاع صفدي حيث يذكر ان هذا الاخر (نحن) كان من صنع الاول (هم) والآخر المختلق (يفتح التاء) يحاول عبثا أن يكون الند والمزاحم والباحث عن ذات المكان الذي يشغله. لكنه لم يدر ان اخرويته هذه من صنع الاول. وانه من اختراع هذا الذي يعتقد انه يتصيده. فأخطأه مرتين: عندما كان على مرمى منه، وحين صار مختلقا في مرآته، ليس حسب صورته هو بالذات، بل على صوره حامل المرآة نفسه (10-صفدي-نقد العقل الغربي)
وهنا يستحضرنا عالم في جامعة كمبريدج قرأ القرآن فأسلم وكان واقفا في جمع من المسلمين خطب فيهم قائلا: "لقد نمتم طويلا، وتخلفتم كثيرا، واستفقتم فقلدتم الغرب تقليدا دقيقا لن تسايروهم علميا ولا سياسيا ولا اقتصاديا ولا بأي وسيلة اخري لكنكم يمكن ان تجبروهم على ان يركعوا امامكم بالاسلام". تلك هي هويتنا التي أعزنا بها الله ولا عزة الا بها، فنحن بحاجة الى اكتشاف انفسنا، وتحديد ملامح صورتنا، وإعادة إنتاج هويتنا، وتعريف شخصيتنا، والبحث عن ذاتنا الحقيقية. والبدء بالتحرر من سلطة النموذج الغربي المقحم والمفروض علينا، ومن ثم نعيد اكتشاف الآخر بالنسبة لنا، والبحث عنه وفقا لاختلافه عنا، ومحاولة فهمه واختراقه لا الخوف منه ومعاداته، والاعتزاز بهذا الاختلاف الطبيعي بين الأفراد وليس ببن الأمم فحسب باعتباره مصدرا لتحقيق الخصوصية لا للخوف من الآخر المختلف، فالاختلاف هو الوسيلة لمنح السمة المميزة والهوية الخاصة بكل فرد، وتلك هي سنة الله في خلقه.

S.N




الغرب والآخر (2)

لم تكن احداث اساءة الحكومة الدنماركية للاسلام بمحل استغراب ومفاجأة للعالم قبل المسلمين، واذا كان هناك من يدعي تعجبه فهو يغالط نفسه قبل الاخرين. فالحقد والكراهية من الغرب تجاه الاسلام والمسلمين بديهية تاريخية معروفة لدى الجميع حتى لو لم يعلن عنها جهارة، فالامر ليس سرا، وحتى لو كان كذلك فهو ما ينطبق عليه مقوله:"ليس هناك سر يمكن ان يكتم اكثر من ذلك الذي يتوقعه الجميع".
اما من حيث الاسباب فلن نحصرها فقط ضمن حقيقة عقائدية معروفة "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ....(120البقرة-) وقول الله سبحانه "وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة-109). الا اننا سنناقشها من الناحية الايدولوجية للمجتمع الغربي من حيث طبيعة تعامله وتقبله للاخر.
فمشكلة اضطهاد الغرب للمسلمين لم تكن جديدة بل سبقتها ممارسات الغرب مع اليهود واضطهادهم -ذلك الامر الذي دفعنا نحن ثمنه بلا سبب- وبعيدا عن اسطورة خرافة الهولكوست، فان حقيقة الممارسات اللااخلاقية تجاه اليهود كان حقيقة. ولكن السؤال هل العيب في الغرب ام في الاقليات الدينية التي تعيش معهم؟
ان محاولة المقارنة بين الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية يمنحنا الاجابة الكافية، يقول ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة :"لم تكن هناك مشكلة بين المسيحيين والمسلمين في دولة الإسلام، إذ كان المسيحيون في بلاد الشرق يرون أن حكم المسلمين أخف وطأة من حكم بيزنطة وكنيستها"
ويذكر لويس غارديه في كتابه أهل الإسلام: "إنّ الجماعات غير المسلمة المرخّص لها العيش وسط أمّة النبيّ ظلّت ناشطة، وكذلك المناظرات الإسلامية المسيحية بتشجيع واضح من الخلفاء أنفسهم (ومنها الدفاع العقائدي الذي قدّمه طيموثاوس بطريرك النساطرة في سنة 781م دفاعاً عن المسيحية أمام المهدي ولا يزال نصّه محفوظاً إلى اليوم). واستقبل نصارى ويهود وصابئة من ذوي الكفاية في عدد كبير من ندوات "العلوم الإنسانية" في مجالس الخلفاء. ويؤكّد لويس غارديه أنّ هذا المجتمع هو الذي خصّص اليهود في تجارة المعادن الثمينة ثم في الهيئات المصرفية، وكذلك كانت المهن الضرورية لحياة الحاضرة ميسّرة لليهود والنصارى.. وكانت أكثرية الأطباء من اليهود النصارى، وهي مهنة محترمة فتحت لهم صدور البيوت، بصرف النظر عن دين وعقيدة أصحابها".
وكما يقول د.خلف محمد جراد استطاعت الحضارة العربية الاسلامية، بسياستها المتسامحة المنفتحة، أن تحدث امتزاجاً قوياً بالعناصر والأقوام والشعوب والجماعات المختلفة التي كانت تتألف منها الدولة، وهو امتزاج لم يبلغوه بامتلاك الأرض المفتوحة، إنما بلغوه باحترام الاختلاف والتنوع والتعدد. فتميّز العصر العباسي باختلاط كبير بين الأمم المفتوحة وامتزاجها في السكن والمصاهرة وفي الحياة الاجتماعية والمهن والحرف.. الخ، بحيث غدت أحياء المدن الكبرى تعجّ بالعرب والهنود والأحباش والفرس والترك والأكراد والأروام والأرمن وغيرهم، وبحيث أصبح العربي خالص الدم في بغداد (عاصمة العباسيين) نادراً، فالكثرة الكثيرة من أبناء العرب كانت أمهاتهم من السنديات أوالفارسيات أو الحبشيات أو التركيات، وكذلك الشأن في الخلفاء أنفسهم.
تلك حضارتنا التي نشأنا وترعرعنا فيها...فالاختلاف والتعدد امر واقع لا اقحام فيه ولا افتعال. فنحن لسنا دولا لقيطة تبتغي ان ترسم لها نظاما قويا في الظاهر هشا في الجوهر. تلك الدول التي استفادت من تجاربنا في اهمية التعددية والاختلاف ضمن وحدة الدولة، ففتحت ابوابها داعية الاجناس المختلفة للاقامة لديها لعلها تصل الى ما وصلت اليه الحضارة العربية الاسلامية سابقا. لكنها لم تدرك ان مجتمعاتنا اكثر منهم وعيا وتسامحا وتقبلا للاخر المختلف، ليس لانها مجتمعات اصيلة ومرنة فحسب، بل لان العقيدة الاسلامية زادت من تهذيب تلك الشخصية ووضعت له دستورا في التعامل مع الاخر المختلف، بالسعي الى ايجاد المشترك والبحث عن الجانب الايجابي ضمن الاتجاه والتوجه المغاير لنا فيقول سبحانه: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (-المائدة 48) وفي قوله " وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (-البقرة 148). استبقوا الخيرات هي درس للقوى الغربية والمحتلة التي تدعي فرض الحرية والتعددية على شعوبنا.
وها هي المجتمعات الغربية تكشف عن وجهها الحقيقي الذي اخفته حكوماتها بأنظمة زائفة، وصور مفتعلة، وتعددية مقحمة غير منتمية ولا معبرة عن الايديولوجية الغربية ذات النظرة الاحادية التي لا تستوعب الاخر ولا تتقبل الاختلاف ولا تستمع بالتعددية الا خوفا من سلطة انظمتها التي حالما غفلت او منحت شعوبها فسحة من حرية للتعبير، فاظ ما يضمرونه من حقد وانغلاق في الرؤية وتمسكهم بنماذجهم الهرمة التي اعتادوا على اتخاذها اصناما ورفض كل صورة لا تنتمي له. وستظل الاحداث المتتالية تكشف لنا جوهر تلك الشعوب المتقدمة اعلاميا المتخلفة حضاريا.
S.N

0 Comments:

Post a Comment

<< Home